محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
95
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ولا يحصل له ذلك ، بعد توفيق اللّه وتأييده ، إلّا بالرياضة والمجاهدة . قال ابن عطاء اللّه ، رضي اللّه عنه : « النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور بملازمة الأدب ، فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة ، والعبد يردّها بجهده عن سوء المطالبة ، ممن أطلق عنانها فهو شريكها في فسادها » . ويختلف ما ذكرناه من المجاهدة والرياضة باختلاف الأشخاص ، فربّ شخص ذكيّ الفطرة « 1 » كريم السجيّة « 2 » سهل المقادة ، لا يحتاج في ذلك إلى كثير معاناة ولا تعب ، وربّ شخص يكون حاله على عكس هذا ، فلا جرم « 3 » يحتاج إلى زيادة تعب وقوّة ممارسة وشدة مجاهدة ، لرداءة فطرته ونقصان غريزته ، وبين هذين درجات لا تحصى ، ولهذا كله يحتاج المريد إلى صحبة المشايخ والتأدب بآدابهم واتّباع أوامرهم ونواهيهم ، لأنه إن لم تجر أفعاله على مراد غيره لا يصح له الانتقال عن الهوى ، ولو بلغ في الرياضة والمجاهدة كل مبلغ ، وذلك لكثافة حجاب نفسه » . وقد سئل الدّقاق ، رضي اللّه تعالى عنه : « بما ذا يقوّم الرجل إعوجاجه ؟ فقال : بالتأدّب بإمام ، فإن لم يتأدب بإمام بقي بطّالا ، فإذا دام العبد على ذلك تزكّت نفسه ، وطهر قلبه ، وتهذّبت أخلاقه ، وظهر على ظاهره أنوار ذلك ، فتكون حركات ظاهرة وباطنة مزمومة بزمام الأدب حتى تنتهي به إلى المحافظة على تجنب أمور غير مستنكرة ، في ظاهر العلم ، ويكون ترك محافظته عليها ذنبا من مثله ، وقد يعاتب عليه وقد يعاقب من أجله . قال السري ، رضي اللّه عنه : « صلّيت العشاء واشتغلت بوردي « 4 » ليلة من الليالي ، ومددت رجلي في المحراب « 5 » ، فنوديت : يا سري ، هكذا تجالس الملوك ؟ ! فضممت رجلي ، ثم قلت : وعزّتك وجلالك لا مددت رجلي أبدا » . قال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : فبقي أربعين سنة ما مدّ رجله ليلا ولا نهارا . وقال أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « كان الأستاذ أبو عليّ الدقاق ، رضي اللّه عنه ، لا يستند إلى شيء ، فكان يوما جالسا في مجمع ، فأردت أن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غير مستند ، فتنحّى عن الوسادة قليلا ، فتوهمت أنه توقّى الوسادة ،
--> ( 1 ) الفطرة : الخلقة التي خلق عليها المولود في أول خلقه . ( 2 ) السجية : الخلق والغريزة والطبيعة ( ج ) سجيات وسجايا . ( 3 ) لا جرم : لا بد ولا محالة . ( 4 ) الورد : النصيب من القرآن أو الذكر . ( 5 ) المحراب : صدر البيت ، وأكرم موضع فيه . ( ج ) محاريب .